ابن أبي العز الحنفي
17
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
مقدمة الشارح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا . مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَنشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . ( أَمَّا بَعْدُ ) فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ أَشْرَفَ الْعُلُومِ ، إِذْ شَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ . وَهُوَ الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فِقْهِ الْفُرُوعِ ، وَلِهَذَا سَمَّى الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحْمَةُ الله تعالى - مَا قَالَهُ وَجَمَعَهُ فِي أَوْرَاقٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ " وَحَاجَةُ الْعِبَادِ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ حَاجَةٍ ، وَضَرُورَتُهُمْ إِلَيْهِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْقُلُوبِ ، وَلَا نَعِيمَ وَلَا طُمَأْنِينَةَ ، إِلَّا بِأَنْ تَعْرِفَ رَبَّهَا وَمَعْبُودَهَا وَفَاطِرَهَا ، بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَيَكُون مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبَّ إِلَيْهَا مِمَّا سِوَاهُ ، وَيَكُون سَعْيُهَا فِيمَا يُقَرِّبُهَا إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ . وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَسْتَقِلَّ الْعُقُولُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَإِدْرَاكِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ ، فَاقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أَنْ بَعَثَ الرُّسُلَ بِهِ مُعَرِّفِينَ ، وَإِلَيْهِ دَاعِينَ ، وَلِمَنْ أَجَابَهُمْ مُبَشِّرِينَ ، وَلِمَنْ خَالَفَهُمْ مُنْذِرِينَ ، وَجَعَلَ مِفْتَاحَ دَعْوَتِهِمْ ، وَزُبْدَةَ رِسَالَتِهِمْ ، مَعْرِفَةَ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ ( 1 ) بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، إِذْ عَلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ تُبْنَى مَطَالِبُ الرِّسَالَةِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا . ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ أَصْلَانِ عَظِيمَانِ : أَحَدُهُمَا : تَعْرِيفُ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ ، وَهِيَ شَرِيعَتُهُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ .
--> ( 1 ) لو قال : « معرفة المعبود بإلهيته وأسمائه » إلخ ، لكان أحسن .